أبحـاث المركز العربي لحقوق الإنسان والسلام الدولي

تعريف الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي

إعداد وبحث : دكتور محمود صباح الشمري.

تعريف الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي

إعداد وبحث : دكتور محمود صباح الشمري.

دكتوراه جرائم دوليه.

مفوض عام ورئيس المركز العربي لحقوق الانسان والسلام الدولي .

 

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في الرابع من شهر مارس 2009  قرارها الخاص بقبول مذكرة المدعي العام لويس أوكامبو بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهمتَي ارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، بينما أسقطت جريمة الإبادة الجماعية، وقالت: إنه لم تتوفر أدلة كافية على ارتكابها. ومنذ ذلك الحين والعرب بكل تياراتهم، قد وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ، بين مؤيد للقرار ورافض له، وآخرَ حائرٍ بين هؤلاء وهؤلاء..

ونتساءل بدورنا: ألا تُعَدُّ مَحْرَقَةُ غزة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة هي دَلالة دامغةٌ على ارتكاب قادة الحرب الصهاينة (أولمرت وباراك وليفني) جرائمَ ضد الإنسانية، بعد حصارٍ اقتصادي وأمني لسكان قطاع غزة امتدَّ أكثرَ من سنة. هذه المرة، هناك جرائمُ موثَّقةٌ، ومطالباتٌ دولية حقوقية، غربية وشرقية، بمحاكمة مجرمي الحرب. قد يُقال: إسرائيل ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، ومجلس الأمن الدولي لن يُحيل جرائمَها على هذه المحكمة نظرًا إلى الفيتو الأمريكي على الأقل… هذا صحيحٌ، ولكن، يمكن للجمعية العامة أن تتحرك، إلى جانب الدول التي تسمح قوانينُها الوطنيةُ بمحاكمة مجرمي الحرب من غير مواطنيها، ألم يكن حَرِيًّا بالمحكمة الجنائية الدولية أن تُحاكِمَ مجرمي الحرب الصهاينة بدلًا من أن تَتَّجه إلى السودان؟..

ونرى ان بتحديد وتوثيق المعاني والمفاهيم المتَّصلة بمفهوم الجرائم ضدَّ الإنسانية وجرائم الإبادة في القانون الدولي. ويطال ذلك مختلف الخُرُوقَات وأشكالِ الجرائم التي تُعَدُّ الأقدمَ والأهمَّ في المعالجة الدولية، وتلك التي تمارَس بحق الإنسان في المعتقلات والسجون، إلى جانب جرائم الإبادة والتعذيب والعبودية والفَصْل العُنْصِرِِيّ والاختفاء القَسْرِي والعنف الجنسيِّ والسَّجّن التَّعَسُّفِي والاضطهاد. كما يهتم بوصف وتحديد طرق الملاحقة الدولية لهذه الجرائم، وما يتصلُ بها من أشكال الحماية المطلوبة في أوقات السِّلم والحرب، ساعيًا إلى تبيان حُدُود الجريمة والعقاب خلالَ الحروب وما بعدَها.كما قدَّم المؤلف تحليلًا لأسباب تعطيل مفعول القانون الدولي وفشلِه في توفير الحماية للإنسان، خاصة خلال فترة الحرب الباردة، حيث ظهرت المعاييرُ المزدوجة للدولة المؤثِّرة والفاعلة في التعامل مع مختلف قضايا العلاقات الدولية والمجتمع الدولي. وينطلق من افتراض أنَّ القانون الدولي قد تطوَّر إلى الحدِّ الذي يصنِّفُ فعلًا الجرائمَ ضد الإنسانية، ويعتبرها الأكثرَ خطورةً في الممارسات الدولية، ويطالب بملاحقة ومحاسبة ومعاقبة مُرْتكبِيهَا مهما كان شأنُهم، على الرغم من أن القوى المنتصرة ترى أن القانون الدولي لا يَطَالُها، وبأنها يجب أن تكون محميَّةً من الملاحقة والمحاسبة والعقاب.

وبالرغم من أن القانون الجنائي الدولي ما يزال في مراحل تطوره الأوَّليَّة إلا أن هنالك كثيرًا من القواعد والأعراف الدولية والمعاهدات التي تُعرف العديد من جوانب هذا القانون، وتجعل من الممكن قيامَ نظامٍ قضائي دولي لملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وهذا يتطلب شرحَ معنى الجرائم ضد الإنسانية، وتِبْيان كيفية ورودها في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مع التمييز بينها وشرحٍ مختصرٍ لكل منها. إلى تناول الملاحقة الدولية لمرتكبي الجرائم الدولية، وكيفية تطور هذه الملاحقة إلى درجة الوصول إلى تشكيل المحكمة الجنائية الدولية. ثم يتحدثُ عن تلك الجرائم كما يراها ويعرفها القانونُ الدولي، معتبرًا أن القانونَ الدولي قد تطوَّر إلى درجة يمكن فيها للمجتمع الدولي ملاحقةُ ومحاسبة ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم، وذلك بالرغم من أن بعض القوى العظمى تحاول الإفلات من أحكام القانون الدولي، التي شاركتْ هي في وضعها أساسًا، ليكون قانونًا لمحاسبة المهزومين، فأصبح الآن قانونًا دوليًا لمحاسبة كل المخطئين، منتصرين كانوا أم مهزومين, حيث إنه أصبح حاجةً ملحةً دوليًا لملاحقة ومحاكمة ومعاقبة كلِّ من يقترفُ انتهاكاتٍ خطيرةً لحقوق الإنسان، ويخالف القانون الدولي الإنساني.

 

 

 

 

بدايات الحديث عن الجرائم ضد الإنسانية

 

وترجع بدايات الحديث عن الجرائم ضد الإنسانية إلى الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تصبح جزءًا فعليًا من القانون الدولي إلا في الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد نتيجة الفظائع التي ارتُكبت في هذه الحرب، مع أن الجرائم ضد الإنسانية، كما هي معروفةٌ اليوم، هي ممارساتٌ قديمةٌ مُوغِلَةٌ في قِدَمِهَا في التاريخ، لكن محاولة تلمُّس طريقةٍ لوقفها بدأت في الحرب العالمية الأولى. ثم تطورت هذه المحاولة إلى سعيٍ حقيقيٍّ إلى تَقْنِينِها ضمن القانون الدولي، لتصبحَ ملاحقةُ مرتكبيها ومحاسبتُهم جزءًا من القانون الدولي، بعد أن كان الحديثُ عنها مجردَ تصوراتٍ ليبراليةٍ لما يجب وَقْفُه، ولما تجب المعاقبة عليه. وقد أوردها ميثاق لندن الذي على أساسه قامت محاكم جرائم الحرب الدولية في نورمبورغ وطوكيو، ولإدراجها ضمن الجرائم الدولية، اعتمد واضعو هذا الميثاق على التقرير الذي أصدرته لجنة جرائم الحرب بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك للدّلالة على استمرارية العَلاقة في القانون الدولي الذي نشأ في أعرافها أساسًا، حتى لو جاءت مخالفةً لهذه الأعراف والقانون في فترة الحروب.وما نصَّ عليه النظامُ الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، الذي عُرف باسم “نظام روما”، ويعتبر أن الجرائم الإنسانية قد تُرْتكب في أيٍّ من النزاعات المسلحة، وقد تُرتكب من قِبَل الدولة ضد مواطنيها، وهو بهذا المعنى طوَّرَ مفهومَ الجرائم الدولية لتشملَ ملاحقة مُقْتَرِفِيهَا، حتى لو كان ذلك قد تم داخل الدولة ضد مواطنيها، وضمن ما تعتبره من أمورها السيادية. وتعني الجرائم ضد الإنسانية تلك الجرائم التي يرتكبها أفرادٌ من دولةٍ ما ضد أفراد آخرين من دولتهم أو من غير دولتهم، وبشكل منهجي وضمن خُطَّةٍ للاضطهاد والتمييز في المعاملة بقصد الإضرار المتعمَّد ضد الطرف الآخر، وذلك بمشاركةٍ مع آخرين لاقتراف هذه الجرائم ضد مدنيِّين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العِرْقي أو الوطني أو الاجتماعي أو لأية أسبابٍ أخرى من الاختلاف. وغالبًا ما تُرتكب هذه الأفعال ضمن تعليماتٍ يصدرها القائمون على مُجْرَيَات السلطة في الدولة أو الجماعة المسيطرة، ولكن ينفذُها الأفراد. وفي كل الحالات، يكون الجميع مذنبين، من مُصَدِّرِي التعليمات إلى المُحَرِّضين، إلى المقْتَرِفين بشكلٍ مباشر، إلى الساكتين عنها على الرغم من علمهم بخطورتها، وبأنها تمارَس بشكلٍ منهجيٍّ ضد أفراد من جماعة أخرى. وتطورت الملاحقة الدولية لها، حسبما جاء في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، بحيث إنه يصبح الفرد مذنبًا بجريمة ضد الإنسانية حتى لو اقترف اعتداءً واحدًا أو اعتداءين يُعتبران من الجرائم التي تنطبق عليها مواصفات الجرائم ضد الإنسانية، كما وردت في نظام روما، أو أنه كان ذا علاقة بمثل هذه الاعتداءات ضد قلة من المدنيين، على أساس أن هذه الاعتداءات جرت كجزء من نمطٍ متواصلٍ قائمٍ على سوء النيَّة يقترفه أشخاصٌ لهم علاقة بالمذنب.ويرى المؤلف أن مصالح الدول الكبرى تفرض نفسها في كثير من الحالات بشكل يعلو على الفهم العالمي لتطبيق القانون الدولي، فتعود هذه الدول إلى استعمال المعايير المزدوجة من حين إلى آخر، بحيث يطبَّق القانون الدولي على البعض بشكل صارم جدًّا، ويستثني البعضَ الآخر من التطبيق. وهذا ما يظهر بوضوح، مثلًا، عندما يتم التعامل مع أية قضية لها علاقة بالمستعمره الصهيونيه ، بحيث تنحاز الولايات المتحدة الأمريكية، وأحيانًا بعض الدول الكبرى الأوروبية الأخرى، لتمنع اتخاذ قرارات تُدِين انتهاكات المستعمره الصهيونيه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تقترفه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فيها، وغيرها من الخروقات الْجَسِيمَة للقانون الدولي.

ولا شك في أن تطبيقَ القانون الدولي يحتاج إلى الإدارة السياسية للمجتمع الدولي، الذي تتحكم بقراراته الفعلية الدولُ الكبرى، وخاصةً الدولة الأعظم، وهي الولايات المتحدة، التي تستطيع أن تمنعَ تنفيذَ أحكام القانون الدولي عندما ترى أن الأمر سَيَمَسُّ مصالحَها أو مصالحَ حلفائها المقرَّبين، أو تفرض تطبيقه بشدة عندما ترى أن هذا لا يمس مصالحها، وأن مصلحتها هنا الظهور بمظهر الدولة التي تحترم القانون الدولي، وتسعى إلى تطبيقه بشكل دقيق، ليسودَ النظام في المجتمع الدولي. ويبدو أن مَثَلَ الولايات المتحدة هو الأبرز في مجال الوقوف أمام القانون الدولي لمنع ملاحقة جنودها أو موظفيها الرسميين أو مواطنيها العاديين، ممن اقْتَرَفُوا جرائمَ ضدَّ الإنسانية أو جرائمَ حربٍ. ولكنها ليست الوحيدةَ في هذا المجال؛ فالكثير من الدول ترى أن ملاحقة مواطنيها على المستوى الدولي هو انتهاكٌ لسيادتها، وتحتفظ لنفسها بحق محاكمة أيٍّ منهم، ممن اقترف أيًا من هذه الجرائم الدولية، رغم أن العديد من النُّظم القانونية الجنائية الوطنية لا تحتوي على قواعد تهدف إلى مقاضاة مثل هؤلاء المجرمين، وهي بالأساس لم تستقبل الاتفاقيات الدولية الخاصة بالقانون الدولي الإنساني ضمن نظامها القانوني الوطني. ويلاحَظ بشكلٍ واضح التَّأخُّر في استقبال هذه الاتفاقيات من قِبَلِ معظم النُّظم القانونية الوطنية، مما يُعيق أيَّ توجُّه لدى هذه الدول لتقوم فعلًا بملاحقة مواطنيها الذين ارتكبوا جرائم دوليةً تعتبر انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

 

الفصلُ العُنْصُرِيُّ وحالةُ فِلَسْطِين

 

كما نرى ان فصلًا خاصًّا  بالنظام العنصري، وبيَّنَ أنه إذا كان نظام الفصل العنصري قد انتهى في موطنه الأصلي في جنوب أفريقيا, إلا أنه ظل نموذجًا تحتذي به إسرائيلُ في ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني, هذه الممارساتُ التي تأخذ الكثيرَ مما كان سائدًا في جنوب أفريقيا لتطبيقه في فلسطين ضد أبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة, وفي المستعمره الصهيونيه ضد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسيّة المستعمره الصهيونيه. وهذا النظام ا المستعمره الصهيونيه &artshow-99-111527.htm#171;هو نظام يحوي هذا القدرَ من التَّعسُّف بحيث إنه لا يمكنه العملُ من دون آلية قمعٍ رهيبة. إذ بالإضافة إلى الإثقال عليهم بالمراسيم والضرائب والغرامات والقيود والتحريم من كافة الأنواع, فإن السكان الفلسطينيين معرضون كذلك إلى وسائل تهدف إلى تَرْهِيبِهِم. والأسلحة المستخدمةُ في هذا المجال تشمل العقوبات الجماعيَّة (منع التجوال, نسف البيوت, اعتقالات جماعية), والتحقيقاتِ التي تشمَل المعاملةَ الوحشيَّة والتعذيب, والاعتقال لفترات طويلة من دون محاكمة». وكل هذا يشكِّل انتهاكًا سافرًا لمعايير القانون الدولي الإنساني, ويشكل مخالفةً جسيمةً لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقتَ الحرب لسنة 1949, وهو يشكِّل بالأساس نوعًا من أنواع التمييز العنصري الذي تتم ممارسته من خلال عمليات الفصل العنصري.أما في الملاحقة الدولية لمناهضة سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية, فهناك معاييرُ مزدوجةٌ تُضْعِفُ من إمكانية محاسبة إسرائيل على أعمالها التي تقومُ بشكلٍ منهجيٍّ على التمييز والفصل العنصري. والمُعْضِلَةُ الحقيقية على المستوى المحلي التي تواجهها المنظمات المدافِعَةُ عن حقوق الإنسان في إسرائيل هي أن الجهاز القضائي الذي من المُفْترض أن يصون القانونَ ويفرضَه على الجميع بلا تمييز, يعمل على إعطاء الشرعية للتعذيب, وعلى إسرائيل وقف هذه الممارسات. الجدار طبقًا لمساره والنظام المرافق له, يتعدى على عدد من حقوق الفلسطينيين المقيمين في المناطق المحتلة من قِبَل إسرائيل, وهذه التعديات الناتجة من مسار الجدار لا يمكن تبريرُها بالمقْتَضَيَات العسكرية أو بمتطلبات الأمن الوطني أو النظام العام. وعلى هذا الأساس يشكِّل إنشاء الجدارِ خروقاتٍ من قِبَل إسرائيل للعديد من الالتزامات المشمولة ضمن القانون الدولي الإنساني القائم وآليات حقوق الإنسان.

والحديث عن ممارسة المستعمره الصهيونيه لفصل عنصري أو &artshow-99-111527.htm#171;أبارتهايد» المستعمره الصهيونيه, ليس مجرد ادعاء, بل هي وقائع على الأرض تتم ممارستُها يوميًّا بشكل منهجي, وبإمكاننا في هذا السياق أن نستعين بشهادات طيف واسع من السياسيين ورجال الفكر في العالم, وحتى في المستعمره الصهيونيه, يصفون هذه الممارسات بأنها &artshow-99-111527.htm#171;أبارتهايد» المستعمره الصهيونيه. ومن هؤلاء المستعمرون الصهيونيه المستعمره الصهيونيه ميرون بنفنستي وعميرا هاس وعامي ايالون وشولاميت ألوني، وهذه الأخيرة كانت وزيرةً للتعليم، وكانت كذلك زعيمة حزب ميرتس, تقول ما حَرْفِيَّتُه: &artshow-99-111527.htm#171;إن  المستعمره الصهيونيه تمارس نظام الابارتهايد الخاص بها, وبشكل عنيف ضد السكان الفلسطينيين». أما بن يائير, المدعي العام في حكومتي اسحق رابين وشمعون بيرس في عقد السبعينيات من القرن العشرين فقد أعلن: &artshow-99-111527.htm#171;أن المستعمره الصهيونيه بدأت ممارسة الفصل العنصري في اليوم السابع بعد حرب الأيام الستة» 1967… وتابع: &artshow-99-111527.htm#171;لقد أقمنا نظام فصل عنصري في الأراضي المحتلة فور احتلالها»

ولم تقتصر المقارنة بين الابارتهايد المستعمره الصهيونيه والابارتهايد الجنوب أفريقي على المفكِّرين والسياسيين الإسرائيليين, بل إن الكثيرين من مفكري العالم ومُثَقَّفِيهِ قد وصفوا الممارسات المستعمره الصهيونيه بأنها ابارتهايد جديد, ومن ضمن هؤلاء ديزموند توتو رئيس أساقفة جنوب أفريقيا الذي كان أحدَ قادة النضال ضد الفصل العنصري هناك، والحائز جائزة نوبل للسلام, وجيمي كارتر الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية, وبريجنسكي المستشار السابق للأمن القومي في الولايات المتحدة, بالإضافة إلى منظمات وهيئات دولية.

وكان كارتر، الرئيس الأمريكي الأسبق، قد ألف كتابًا سنة 2006 بعنوان: &artshow-99-111527.htm#171;فلسطين: سلامٌ لا فصلٌ عنصري», ورغم أن الكتاب لم يتطرق بتوسع إلى الممارسات المستعمره الصهيونيه ضد الفلسطينيين, إلا أنه أثار ضجة عالمية, وحاولت الجماعات المؤيدة المستعمره الصهيونيه منعَه من الصدور وتوزيعِه, وحاربته واتهمت كارتر بمعاداة السامية!

أما الكاتب الأمريكي جوناثان كوك فَيَرَى &artshow-99-111527.htm#171;أن بناء الجدار يؤدي بالنتيجة إلى منع قيام دولةٍ فلسطينيةٍ قابلةٍ للحياة».

 

لقد أقرَّت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري, الذي جاء التصويت فيه بشكلٍ شبه إجماعي, بحيث اعترض عليه فقط القاضي الأمريكي في المحكمة من بين 15 قاضيًا هم أعضاء المحكمة. وفي حكمها الأول قررت المحكمة أن بناء الجدار &artshow-99-111527.htm#171;في الأراضي الفلسطينية المحتلة, بما في ذلك القدس الشرقية, وشاملا للأنظمة المرافقة له, يعتبر متعارضًا مع القانون الدولي».

 

وفي حكمها الثاني، قررت المحكمة أن &artshow-99-111527.htm#171; المستعمره الصهيونيه ملزمةٌ بإنهاء كل خروقات القانون الدولي, وملزمة بوقف أعمال بناء الجدار الذي يتم بناؤه في المناطق الفلسطينية المحتلة, بما في ذلك القدس الشرقية», وبتفكيك ما تم بناؤه, وإلغاء البِنْيَة القانونية التي وضعتها لهذه الغاية. أما في حكمها الثالث, فقد قررت المحكمة أن &artshow-99-111527.htm#171; المستعمره الصهيونيه مُلْزَمَةٌ بالتعويض عن كل الأضرار التي سببها إنشاءُ الجدار»… وأخيرًا في حكمها الرابع، قررت المحكمة أن على جميع الدول العملُ للضغط على للمستعمره الصهيونيه للامتثال لقواعد القانون الدولي والامتناع عن خرقه, ولكن بين قرار المحكمة والتنفيذ هُوَّةٌ شاسعةٌ ناتجةٌ أساسًا من الدعم الأمريكي للمستعمره الصهيونيه بشكلٍ مُنْحَازٍ وبمعاييرَ مزدوجةٍ للتعامل الدولي.

الإبادة الجماعيَّة

ويشير الكتاب بحق إلى مكانة الإبادة الجماعية (في الجرائم ضد الإنسانية، نظرًا إلى كونها كانت معروفةً سابقًا، من حيث تفاصيلُ أركانها، ومحاولات تحديد العقوبة تجاه مرتكبيها. على أن وثيقة روما وضعت هذه الجريمة في إطار الجرائم ضد الإنسانية، لا كجريمة مستقلة عنها). وهنا تجدر الإشارة إلى محاكمات نورنبورغ وطوكيو بُعَيْدَ الحرب العالمية الثانية، حيث خضع قادة النازية والفاشية للمحاكمة أمام محاكم خاصة أُنشئت لهذا الغرض. وتطور الأمر لاحقًا مع قرارات مجلس الأمن التي أنشأت محاكم خاصةً لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا والبوسنة وسيراليون، وصولًا إلى محاولة تعميم وتقنين محاكمة القادة الذين يقومون بجرائم دولية خطيرة، وهذا هو جوهر وثيقة روما للمحكمة الجنائية الدولية.

بتعبير آخر، صار قادة الدول مسؤولين عن أعمالهم وجرائمهم أكثرَ من السابق. وكثيرًا ما تَعَلَّلَ بعضُ المنتقدين بقاعدة السيادة الوطنية، في محاولةٍ للتهرّب من المسؤولية الدولية.

أهمية تحديد مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، التي يقترفها قادةُ الدول، تَكْمُنُ في إمكان مقاضاتهم بعيدًا عن التَّذَرُّعِ بالسيادة. صحيحٌ أن السيادة ركن أساس في القانون الدولي العام بِرُمَّتِهِ، بَيْدَ أنَّ الصحيحَ كذلك هو صعوبةُ اقتراف الجرائم الدولية تحت عنوان السيادة، خصوصًا أن الجرائم ضد الإنسانية قد يرتكبها حاكمٌ ضد شعبه!

المحاسبة والقواعد الآمرة

كما نبحث ونرى في المحاسبة (العقوبة) والقواعد الآمرة، منطلقًا من الحقوق الأساسية للإنسان غير القابلة للانتقاص، وهي حقوق الحياة والجسد والكرامة. وعليه اعتبرت الإبادة والقتل من أهم الجرائم ضد الإنسانية. ويشير إلى معيار اعتبار أية جريمة على أنها من الجرائم ضد الإنسانية، وهو اعتراف المجتمع الدولي بخطورتها، وبأنها تناقض الحقوق الإنسانية غير القابلة للانتقاص. ويطرح السؤال هنا: هل القواعد الدولية التي تعاقب على الجرائم ضد الإنسانية هي بمثابة قواعدَ آمِرَةٍ، أي قواعد مُلْزِمَةٍ للجميع؟

تتعدّد الاجتهادات الفقهية حيال هذه المسألة، منها ما يربط بين القواعد الآمرة والاتفاقيات الدولية فقط، ومنها ما يعتبرها شاملةً للحقوق الإنسانية كذلك. وبقطع النظر عن الاجتهادات، فإن الاتجاه الدولي العام يسير نحو اعتبار القواعد الدولية آمرةً بقدر ما يأخذ المجتمع الدولي بمفهوم الجرائم ضد الإنسانية، والعقوبة المترتبة عليها. فالقواعد الآمرة، وجودها أو عدمه، يرتبط بمبدأ الشُّمول. وبقدر ما تصبح وثيقة روما معمَّمَةً دوليًا، وملزمةً للدول، بقدر ما تَبرز القواعد الآمرة تبعًا لإرادة الدول. هنا لا بدَّ من الاعتراف بوجود ثغرات في هذا المضمار، أبرزُها ما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية التي سحبت توقيعها على وثيقة روما للمحكمة الجنائية الدولية. بل أقدمت على عقد اتفاقيات ثنائية مع عشرات الدول لمنع محاكمة المسؤولين الأمريكيين عن أية جرائم تُرتكبُ خارجَ الأراضي الأمريكيةوداخلها . وهذا تَنَصُّلٌ من المسؤولية الدولية، وإضعافٌ لمبدأ الشمول.

 

أما التوقف عند ظاهرة (المستعمره الصهيونيه) فإنه واضح من الوجهة القانونية البحتة. وهناك منهج ثابت في تعذيب الفلسطينيين، شعبًا وأفرادًا. وأبارتهايد جديد هو الفصل العنصري الذي تقوم به  المستعمره الصهيونيه . وَحَسْبُنَا هنا تَأَمُّل جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية (فلسطين) ، وما أَفْتَتْ به محكمة العدل الدولية في لاهاي عبرَ وثيقةٍ تاريخية، لعلها الأهم في تاريخ قضية فلسطين والصراع العربي – والمستعمره الصهيونيه.

وعند بحث حالة الاختفاء الْقَسْرِي، تقفز إلى الذهن مقابرُ الأرقام، والسجون السِّرِّيَّة. وهناك الترحيلُ والإبعادُ الْقَسْرِيُّ في الحالة الفلسطينية، وتنظيم الترانسفير الصهيوني المستمر..

إعداد وبحث : دكتور محمود صباح الشمري.

مفوض عام ورئيس المركز العربي لحقوق الانسان والسلام الدولي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق