أبحـاث المركز العربي لحقوق الإنسان والسلام الدولي

تسامح الاديان

تسامح الاديان

إعداد : دكتور محمود صباح الشمري

المركز العربي لحقوق الانسان والسلام الدولي

 

جاءت الأديان السماوية، لتعمل على تربية الإنسان وإعداده إعداداً صحيحاً روحياً ومادياً وفكرياً، ليصبح هذا الإنسان الركيزة الفعالة في بناء المجتمعات الإنسانية المتقدمة والمتحضرة، لذلك أوصته الأديان بكل ما ينفعه، ونهته عن كل ما يضره.

لقد أتت أديان السماء بأصالتها لتحرر عقل الإنسان وتحوله إلى عقل متنور ناضج، ولم تأت الاديان السماويه لتتناقض مع العقل والحقيقة، بل أتت لتنسجم معها وتنميها وتنصرها.

وإذا كانت شعوب العالم تتطلع إلى تحقيق السلام العالمي فإن جميع رسالات الأنبياء تأسست على بناء السلام بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والإنسان، فهذا سيدنا عيسى المسيح عليه السلام يقول في إنجيل متى: ((طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون، طوبى لصانعي السلام، لأنهم عبادالله.

وهذا سيدنا محمد عليه السلام يقول في وصاياه: ((الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))، والله تعالى يقول: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(

ويقول الله تعالى في القرآن الكريم: {والله يدعو إلى دار السلام}. والإسلام جعل تحية الناس بين بعضهم دعوة للسلام والرحمة، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى بذل السلام…
والإسلام والمسيحية يدعوان الناس إلى المحبة والتعاطف والتعاون.
فهذا سيدنا عيسى عليه السلام يقول في إنجيل يوحنا: ((وصية جديدة أعطيكم إياها: أن تحبوا بعضكم بعضا…
وهذا سيدنا محمد رسول الله عليه السلام يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وجاء في رسالة يوحنا الأولى: ((كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس، وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه).
وجميع الرسالات السماوية دعت إلى العفو والتسامح ومحاربة الظلم:
فهذا الإسلام يدعو إلى محاربة الظلم حيث يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.(
وجاء في وصايا عيسى عليه السلام: ((فأنتم يا إخواني دعاكم الله لتكونوا أحراراً، ولكن لا تجعلوا هذه الحرية حجة لإرضاء شهوات الجسد، بل اخدموا بعضكم بعضاً)

وفي إنجيل يوحنا: ((من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام، فليفعل هذا))، والنبي محمد يقول: ((ما آمن بي من أمسى شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم)

وجاء في إنجيل متى: ((ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه)
والحقيقة أن الإسلام لم يأت ليلغي الأديان السماوية التي سبقته وإنما جاء مجدداً ومتمماً لها، فسيدنا المسيح يقول: ((ما جئت لأنقض وإنما جئت لأتمم )) وإلى هذا أشار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنَّ مثلي، ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجلٍ بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنةٍ من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضعَت هذه اللبنة ؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين))(رواه البخاري [ كتاب المناقب ]، باب (خاتم النبيين)، وروى مسلم نحوه [ كتاب الفضائل ] باب ( ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ).) والله تعالى يقول في القرآن الكريم: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيُّون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم…}(سورة البقرة: [ الآية: 136 ].) والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي )) ويقول: ((نحن معاشر الأنبياء إخوة ديننا واحد وشرائعنا شتى ))، وهكذا لم يأتِ المسيح ليهدم رسالة موسى، ولم يأت محمد ليجرد المسيح من رسالته، فكل نبي أتى مصدقاً لما سبقه، والنبي السابق أتى ممهداً لمن بعده، والقرآن هو مجمع كل رسالات السماء، ودعوة للإيمان بكل أنبياء الله، فالأنبياء جميعاً تخرجوا من مدرسة واحدة ومعلمهم واحد وهو الله جلَّ جلاله.
لقد نزلت الأديان لمصلحة الإنسان والله تعالى يقول في الحديث القدسي: ( خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم ) والله تعالى يقول في القرآن مخاطباً محمداً صلى الله عليه وسلم: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فهكذا تعاليم السماء تحقق الرحمة للناس والنجاح، فإذا وُجد الإيمان بحقيقته، فإنه كماء السماء عندما ينزل نقياً منها، يُعطي الحياة للإنسان، وأما إذا اختلط بأوساخ الناس، فإنه بدل أن يعطي الصحة يعطي المرض، وبدل الحياة يُعطي الهلاك.
لذلك فإن نبينا محمداً يدعو إلى إعادة النظر في الدين كل مئة سنة، ويقول: ((يبعث الله على رأس كل مئة سنة من يجدد لأمتي أمر دينها )) كل ذلك بتوجيه من الله تعالى، وحرص من النبي، محمد لبقاء الإيمان نقياً ناصعاً، لأن الزمن يغير طبائع الأشياء ويطمس أحياناً حقائقها.

وإن مهمة المجددين للدين حددها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقول: (( يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)
وهكذا فانكم يا قادة المستقبل نتحمل مسؤولية كبيرة لإعادة الدين إلى أصالته التي يحبها الإنسان وينسجم معها العقل، علينا أن نقوم بواجبنا لإعادة الدين كما دعا إليه أنبيائنا بحقيقته وجوهره، ننفي عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، فلا يصح أن يبقى على سطح الأرض إنسان جائع والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما آمن بي من أمسى شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم ))، ولا يصح أن يبقى على الأرض جاهلاً والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (( ليس مني إلا عالم أو متعلم ))، ولا يصح أن يهزم الحق وأن ينتصر الباطل وأن يُظلم إنسان والنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((هلا كنتم مع صاحب الحق، إن لصاحب الحق مقالة…))، وعمر خليفة المسلمين يخاطب أحد أمرائه قائلاً : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)
لذلك فعلينا نحن أن نجتمع دورياً، ضمن إطار مؤتمر ومجتمع دولي يعمل على إعادة الدين إلى أصالته لأن الدين من منبع واحد، وعلينا بصورة خاصة أن نؤدي نصيبنا لنصرة المظلومين في العالم، وبصورة خاصة حماية القدس ونصرتها وحماية مقدساتها، ونصرة الشعب الفلسطيني الذي عانى من ظلمٍ واسع خلال هذا القرن، حيث هُدمت بيوت الفلسطينيين وصودرت أراضيهم وشُردوا في كل أنحاء العالم، وإن الله تعالى لا يرضى على عالمٍ لا يُناصر فيه المظلوم.فإذا قمنا نحن بواجبنا فسيتحقق للعالم ما هو أهم من السلام، سيتحقق للعالم الإخاء والرحمة.
وأرجو أن يكون هذا اللقاء البذرة الطيبة التي ستنبت شجرةً أصلها ثابت وفرعها في السماء يكون ثمرتها الخير والبركة والسلام والعدل لكل شعوب العالم، وهذا لا يساعد على تحقيق السلام فقط وإيقاف الحروب بل سيساعد الإنسان على التخلص من المرض والجهل والتخلف وكافة المشاكل التي يعاني منها.
ولقد عانت البشرية خلال القرن العشرين من صراعات هائلة أدت إلى إشعال حربين عالميتين وقتل عشرات الملايين من الناس، وتدمير الكثير من المدن والمنشآت الحيوية، وتطوير أسلحة الدمار الشامل، ومزقتها التناقضات الفكرية والاختلافات القومية والعرقية والمادية والفلسفية، وكان الدين في هذه الصراعات مستبعداً عن الساحة الإنسانية، ووصل الإنسان مع نهاية هذا القرن ليجد أن الفكر والاعتقاد الذي يصلح للبشرية هو الدين الذي أنزله الله تعالى خالق البشرية إلى عباده. وجميع الديانات السماوية ذات مصدر واحد وهدف واحد، والقرن القادم الحادي والعشرون إنما هو قرن الإيمان، وعلى جميع المسئولين في العالم وعلى رأسهم قادة الأديان في العالم أن يبذلوا الجهد المخلص لجعل القرن القادم قرن تآلف وحوار وتعاون بين أتباع الديانات لا أن يجعلوه قرن صراع وتناقض فيما بينهم.

وكم كان سرورنا بالغاً ، عندما نؤكّدا على ضرورة فتح حوار جديد بين الإسلام والمسيحبه، وأن ثقافة الغرب مدينة للإسلام بدَيْن يجدر بالغرب أن لا ينساه، وأن الشيء الكثير من أسس حضارتنا يعود الفضل بها إلى الإسلام، وأن من أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة الإسلامية شيء غريب عنّا، كمانؤكد أن الثقافتين الإسلامية والمسيحية متداخلتين وبينهما قواسم مشتركة عبر التاريخ ويجب أن تبقيا هكذا، وأن في مجتمعنا  إلاسلامي وزالمسيحي مزدهرا بفضل الحكماء في الجانبين يستمر ويتواصل، وأنه في عالم اليوم ليس لدينا أي خيار أوفر من العيش معاً متآزرين بسلام لمواجهة التحديات الأخلاقية والبيئية والاقتصادية، وأن هناك قدراً كبيراً من المعارف يمكننا أن نتعلمه من بعضنا البعض.
وإذا كانت هذه الدعوات والتصريحات ينتابنا منها السرور والأمل بمستقبل جديد للعلاقات فإن الذي يقف عائقاً كبيراً تجاه هذا الأمل هو السياسات العملية التي تنتهجها الحكومات الغربية عموماً تجاه العالم الإسلامي، وبخاصة قضيته المركزية في فلسطين فالعالم الإسلامي لا يستطيع أن يغمض عينيه عن الدعم المطلق الذي تحظى به إسرائيل من الغرب، ويرى بشكل واضح كيف تتدفق الأسلحة ومليارات الدولارات على المستعمر الصهيوني ، في حين أنه يتمرد على عشرات القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، ناهيك عن الإهانات التي توجهها للساسة الأمريكيين والبريطانيين الدولتان اللتان تدعم هذا المستعمر الصهيون:-

كل هذا إضافة لسياسة الكيل بمكيالين والمواقف غير المنطقية والمعادية للأمة الإسلامية والمسيحيه الشرقيه في أغلب الأحيان، يؤدي إلى تدمير كل الجسور التي يحاول أن يقوم ببنائها المخلصون في العالم الإسلامي والعالم  المسيحي الشرقي .

وإننا دعاة سلام وتسامح، ونريد حياة كريمة لأنفسنا وللآخرين، لكننا نرفض بشكل قاطع أن تغتصب أراضينا، وأن تهدر حقوقنا، وأن تنتهك مقدساتنا.

إن مقدسات المسيحيين والمسلمين في القدس تُنتهك يومياً وعلى قادة الدينين الإسلامي والمسيحي أن يعملوا معاً لتكون القدس مدينة السلام وعاصمة لأصحابها الفلسطينيين، وعلى قادة الديانتين الاسلاميه والمسيحيه أن ينسقوا الجهود حتى تسود قيم العدالة والحرية والمساواة بين الشعوب والتي تدعو إليها أديان السماء.

إن الأديان السماوية حققت ودعت إلى حقوق الإنسان والدين لم يأتِ ليرجع بالإنسان إلى الوراء، بل ليجعله متقدماً متنوراً سعيداً، والذين يدَّعون خلاف هذا يكذبون على الدين.

ولو أن قادة الأديان قاموا فأعادوا الدين إلى أصله، ونبذوا ما لحق به مما ليس منه، فإننا سنجد أن العالم سيتحد ويتحول إلى عالم واحد تحت ظلال الإيمان بالله تعالى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق